الإمارات تنجح في التحول إلى مركز مالي إقليمي

السبت, 6 مارس 2010 الساعة 08:52
نورى عيلال - دبي
بصرف النظر عما قيل عن التمويل الإسلامي، كونه أثبتت قدرته على التكيف مع المتغيرات والأوضاع الاقتصادية الحرجة، خصوصاً خلال الأزمة المالية العالمية الأخيرة، إلا أن المتتبعين لمتغيرات الصناعة ككل، يدركون أن هناك مسائل لاتزال بحاجة إلى المعالجة، وذلك لزيادة العناصر التنافسية للمؤسسات التي تقدم الخدمات المالية الإسلامية، سواء المتعلقة بالمعايير والسياسات التنظيمية، أو البنى التحتية اللازم توافرها لدعم النمو المستقبلي لهذه الصناعة.

وفي هذا الصدد، استهل البروفيسور رفعت أحمد عبد الكريم، الأمين العام لـ«مجلس الخدمات المالية الإسلامية» في ماليزيا، حديثه إلى «الرؤية الاقتصادية»، بالتأكيد على أهمية الدور البارز الذي لعبته دولة الإمارات العضو في المجلس انطلاقاً من «مصرف الإمارات المركزي»، في الصناعة المالية الإسلامية، سواء من حيث البنى التحتية والأنظمة، أو من حيث الدعم الحكومي لتطوير سوق التمويل الإسلامية المحلية، معتبراً أنه ينتظر من الإمارات لعب دور أقوى عما مضى في هذه الصناعة، خصوصاً أنها تمتلك السيولة القوية، والخبرات والكفاءات المؤهلة لذلك، وكونها نجحت في أن تكون مركزاً مالياً إقليمياً، انطلاقاً من «مركز دبي المالي العالمي».

وسلط عبد الكريم الضوء على دور المجلس في تنسيق جهود الجهات الرقابية للدول الأعضاء في المجلس، وعلى رأسها البنوك المركزية، للقيام بدور الرقابة والإشراف على المؤسسات التي تعمل في مجال الخدمات المالية الإسلامية، مضيفاً إن مهمة المجلس الأساسية هي وضع معايير في الرقابة والإشراف تستخدمها البنوك المركزية اتجاه المؤسسات المالية المتوافقة مع الشريعة.

تحقيق الانسجام

ويرى البروفيسور رفعت أنه في ظل التطورات الأخيرة التي يشهدها الاقتصاد وأسواق المال العالميان، لم تتوقف عجلة التمويل الإسلامي عن تحقيق النمو السريع، معتبراً أن ذلك خلق ضرورة تستدعي منا اليوم أكثر من أي وقت مضى تحقيق الانسجام بين الخدمات المالية الإسلامية والمعايير الدولية، ما يساهم في تحقيق الاندماج مع النظام المالي العالمي.

وهنا يبرز دورنا كـ«مجلس الخدمات المالية الإسلامية» لتطوير معايير دولية تتوافق والإطار المالي المتوافق مع الشريعة، كما هو الشأن بالنسبة لتطوير معايير «لجنة بازل» حتى تتماشى مع طبيعة البنوك الإسلامية، خصوصاً في ما يتعلق بكفاية رأس المال، علاوة على ذلك نحن نقوم انطلاقاً من المجلس بخلق نظام رقابة يخدم البنوك الإسلامية على غرار نظام الرقابة المستعمل داخل البنوك الإسلامية.

الإقناع دون الإلزام

وأكد البروفيسور رفعت، أن الهيئة تضع معايير لتطوير صناعة الخدمات المالية الإسلامية وتعزيزها، انطلاقاً من وضع

مبادئ إرشادية ومعايير رقابية بجودة عالية جداً، وتشمل البنوك وشركات التأمين التي تعمل وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية، إلا أنه بحسب البروفيسور رفعت، ليس للمجلس الصفة القانونية لفرض هذه المعايير، حيث أعرب بالقول «ليس هناك إلزام بطريقة أو بأخرى، فالمجلس يحاول الإقناع».

واستدل البروفيسور رفعت بجهود المجلس في تطوير عملة التصكيك، يمكن أن تؤدي مؤسسة الخدمات المالية الإسلامية أدواراً مختلفة في عملية التصكيك.

ويمكن أن يكون تعرضها للمخاطر مشابهاً لما تنطوي عليه عملية التسنيد التقليدية، ولكن يمكن أن تضيف أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها بعداً آخر إلى المخاطر القائمة، ويمكن أن تؤدي إلى تأثير جوهري في المخاطر التي يتعرض لها مالكو الصكوك.

التمويل الإسلامي هو في الأصل تمويل مرتبط بموجودات، واسترسل البروفيسور رفعت بالقول إن «التمويل الإسلامي» هو في الأصل تمويل مرتبط بموجودات، وبالتالي يجب على مؤسسات الخدمات المالية الإسلامية أن تحتفظ برأسمال نظامي لمقابلة جميع مخاطر التصكيك التي تتعرض لها، بما في ذلك المخاطر الناشئة عن التزامها بتوفير وسائل تخفيف مخاطر الائتمان في عملية التصكيك، والاستثمارات في الصكوك المدعومة بالموجودات التي تنشئها مؤسسات الخدمات المالية الإسلامية، والتزامها بتقييم تسهيلات سيولة أو تعزيز ائتماني. وعليه، يجب أن تتم معالجة مخاطر موجودات التصكيك التي يعاد شراؤها على أنها مخاطر موجودات تصكيك محتفظ بها».

تسهيلات السيولة واتفاقها مع الشريعة

واستند البروفيسور رفعت إلى تسهيلات السيولة، معتبراً أن السيولة في أنواع معينة من هياكل الصكوك، هي التزامات للإقراض أو شراء موجودات، والحاجة لهذه التسهيلات قد تكون لتغطية الفجوة بين المتحصلات النقدية لموجودات الصكوك، والمدفوعات المجدولة المستحقة لمالكي الصكوك مثل الإيجارات في عقد الإجارة، وفي هذه الحالة يفترض أن تكون تسهيلات السيولة متفقة مع أحكام الشريعة ومبادئها، ومستوفية للمتطلبات التشغيلية المؤهلة لتسهيلات السيولة للصكوك المحددة من قبل السلطات الإشرافية لكل بلد.

ويمكن أن تتضمن هذه المتطلبات تحديد مستندات تسهيل السيولة بكل وضوح، ووضع سقف للحالات التي تستدعي سحب التسهيل.

وفي سياق آخر اعتبر البروفيسور رفعت أن العقارات من الموجودات المسموح بالاستثمار فيها وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها، ولكن هناك تخوف عام من أن تلك الاستثمارات يمكن أن تعرض مؤسسة الخدمات المالية الإسلامية إلى تأثيرات تقلبات أسواق العقار.

وتابع حديثه بالقول إن المؤسسات المالية التقليدية بشكل عام لا تستطيع ممارسة أنواع نشاط الاستثمارات العقارية ما لم تحصل على موافقة من السلطة الإشرافية، ويجب على هذه المؤسسات الالتزام بمعايير رأس المال المعمول بها، مع تقرير السلطة أن النشاط لا يشكل أي مخاطر تذكر على المودعين. كما تحتاج أيضاً إلى وضع إجراءات كافية لإدارة المخاطر، ويجب أن تكون الأحوال المالية العامة، بما في ذلك متطليات رأس المال، قادرة على تحمل المخاطر المحتملة والمترتبة على امتلاك العقارات للاستثمار.

وفي معظم الحالات، تطلب السلطات من المؤسسات التقليدية تأسيس شركة تابعة لممارسة نشاط الاستثمار العقاري بأنواعه، بحيث يتم وضع هذا النشاط في كيان شركة منفصلة.

استثمار عقاري وقيود

أظهرت دراسة قمنا بها في «مجلس الخدمات المالية الإسلامية»، أن السلطات الإشرافية في بعض الدول لا تضع أي قيود على أنواع نشاط الاستثمار العقاري التي تمارسها، وفي بعض الحالات، تعامل هذه الأنواع من النشاط على أنها تمويل وليست استثماراً، وتعاملها السلطات الرقابية على أنها نوع من الرهن العقاري، وتطلب أن تتم معاملتها بنفس المعاملة الرقابية لمخاطر الائتمان.

وتتصرف بعض مؤسسات الخدمات المالية الإسلامية بصفة مؤسسات تطوير عقاري أو مالك عقارات.

وهذا يؤدي إلى إثارة مسائل إشرافية، وعلى الأخص في ما يتعلق بإدارة المخاطر وكفاية رأس المال.

وبالتالي الاستثمار في العقار يمكن تصنيفه على أنه مخاطر نظراً لوجود درجة عالية من احتمال تغيير عوائد الأموال المستثمرة أو تذبذبها، فظلاً عن احتمال التعرض لمخاطر خسارة مؤثرة في رأس المال، وقد تكون المخاطر أعلى في العقارات قيد الإنشاء مقارنة بالعقارات الجاهزة.

وبالنظر إلى كل هذه العوامل، فإن الاستثمار العقاري هو مناسب لمؤسسة الخدمات المالية الإسلامية فقط على نطاق محدود جداً، وبموجب شروط مقيدة يتم وضعها لمراقبة المخاطر المختلفة التي تترتب على مؤسسة الخدمات المالية الإسلامية.

حدود احترازية

وأضاف البروفيسور رفعت «تعتمد بعض السلطات الإشرافية في بعض الدول طريقة موحدة للحد من المخاطر التي تتعرض لها مؤسسات الخدمات المالية الإسلامية، وتتمثل بالدرجة الأولى في تحديد سقف للمبلغ الإجمالي للمخاطر في القطاع، أو تقييد استخدام حسابات الاستثمار المطلقة، أو تطبيق أوزان مخاطر محددة لهذا الاستثمانر.

ونحن كمجلس أعلى للخدمات المالية الإسلامية، نوصي بأن تضع السلطة الإشرافية داخل المؤسسات المالية الإسلامية القيود والحدود الاحترازية، وذلك بألا يتجاوز إجمالي التعرض لمخاطر الاستثمار العقاري نسبة 60 بالمئة من رأس المال النظامي، مع وضع سقف بنسبة 15 بالمئة لمخاطر الاستثمار العقاري الفردي».

وأكد أنه إذا تجاوزت مؤسسة الخدمات المالية الإسلامية سقف مخاطر الاستثمار العقاري، عندها يجب عليها إعلام سلطتها الإشرافية وتقديم خطة تصحيحية لتقليل إجمالي المخاطر إلى مستوى لا يتجاوز السقف المحدد.

ولعل تطوير معايير التصكيك والاستثمار العقاري، هو خطوة من بين خطوات قام بها «مجلس الخدمات المالية الإسلامي» نحو تحقيق الانسجام بين الخدمات المالية الإسلامية والمعايير الدولية، ما يساهم في تحقيق الاندماج مع النظام المالي العالمي ككل.

للتعليق على التقرير

إن المعلومات الواردة هنا ستبقى سرية ولن تتم مشاركتها مع أي طرف ثالث
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.