الصيرفة الإسلامية في الخليج تفتقر إلى الكوادر المؤهلة

السبت, 16 يناير 2010 الساعة 09:03
محمد العواجي - جدة
أكد الدكتور عبداللـه قربان التركستاني، مدير مركز «أبحاث الاقتصاد الإسلامي» في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، أن الصيرفة الإسلامية هي الصناعة المقبلة، والتي أثبتت رسوخها عبر رياح التقلبات الاقتصادية التي عصفت بالعالم، حيث لجأت إليها مختلف الدول، وأخذت بحيثياتها في أعمالها المصرفية وتبادلاتها المالية، كاشفاً أن دول الخليج تواجه نقصاً في الكوادر المؤهلة في صناعة الصيرفة الإسلامية، لأن تأهيل الكوادر أصبح أمراً بالغ الأهمية خلال الانفتاح الكبير في الصناعة والنمو الذي تشهده هذه الصناعة.

وأفاد أن هذه الصناعة تشهد الكثير من التحديات، أهمها تنمية الموارد البشرية والتي يجب الارتقاء بها واختيار أفضل الكفاءات عند تأسيس أي مؤسسة مالية إسلامية أو تحويل أي من المصارف التقليدية إلى مصارف تعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وقد شهدت صناعة الصيرفة الإسلامية خلال الفترة من 1995 إلى 2006 نمواً يفوق 23 بالمئة، كما أن هذا النمو يعد مرتفعاً، مقارنة بمعدل نمو 15 بالمئة كمعدل سنوي متحفز، مشيراً إلى أن هذه الصناعة يتوقع لها أن تتجاوز 1.3 تريليون دولار للعام 2015 على مستوى العالم وفقاً لآخر الإحصاءات، وسيحمل هذا النمو معه مؤشرات إيجابية بقدر التحديات التي تفرض على جميع الأطراف ذات العلاقة بالعمل المالي الإسلامي، مبيناً أن إجمالي عدد المؤسسات المالية الإسلامية وصل إلى 339 مؤسسة حتى نهاية العام 2006، وأن هذا التحدي سيكون أكبر مع وصول عدد المؤسسات المالية الإسلامية إلى نحو 800 مؤسسة في العام 2015.

الالتزام الشرعي

وقال التركستاني «تتمثل أهم المبررات التي تدعو إلى تأهيل العاملين في المؤسسات المالية الإسلامية وبصفة خاصة في الجوانب الشرعية حسب الكثير من الباحثين والمهتمين بالعمل المصرفي الإسلامي في ضرورة تحقيق الالتزام بالشريعة الإسلامية في جميع أعمال وأنشطة هذه المؤسسات المالية الإسلامية، كون الالتزام الشرعي هو ما يميز العمل المصرفي الإسلامي عن المصارف التقليدية، كما أن قلة الخبرة بحقيقة المعاملات الإسلامية المالية تعانيها معظم المصارف الإسلامية، حيث إن معظم العاملين فيها من أصحاب التكوين الاقتصادي والقانوني الحديث، ولا علم لهم بقواعد الاقتصاد الإسلامي التي تعمل بها المصارف الإسلامية ولا فقه المعاملات المالية في الإسلام، فربما نظروا في كثير من معاملات المصارف الإسلامية فلم يظهر لهم أي فرق بينها وبين المعاملات التي تقوم بها المصارف التقليدية».

وأضاف التركستاني «كذلك عدم وجود معايير موحدة لتعيين وتطوير العاملين في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، غير أن السنوات الأخيرة من العمل المصرفي الإسلامي شهدت تطويراً في مجال تحديد المعايير اللازمة للعاملين في المؤسسات المالية الإسلامية، ورغم ذلك، فإن التطوير المأمول قد يكون أوسع مدى مما هو قائم الآن، إضافة إلى عدم وجود المؤسسات اللازمة لتأهيل العاملين في هذه المؤسسات وتحديداً التي تعمل في بلاد غير إسلامية وتضطر إلى توظيف غير المسلمين.

ويحتاج العاملون في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية إلى إعداد وتأهيل متعدد الجوانب بخلاف العاملين في البنوك والمؤسسات المالية التقليدية، إلى جانب أن نطاق التأهيل المتكامل للعاملين في المصارف والمؤسسات المالية يشمل جميع العاملين في هذه المؤسسات، ولا سيما الهيئات الشرعية، ثم العاملين الذين يعملون تحت إشرافهم ومراقبتهم».

الهيئات الشرعية

وأوضح أن الهيئات الشرعية للمؤسسات الإسلامية في الخليج والدول العربية ينبغي لها وضع معايير محددة تضمن حسن اختيار فئة العاملين في هذا المجال من ذوي الكفاءة العلمية والمهنية التي تستوعب خطورة التكليف وسلامة التطبيق من الأخطاء غير المسموح بها في العمل المصرفي الإسلامي، وذلك نظراً لأهمية وخطورة المهام الملقاة على عاتق أعضاء الهيئات الشرعية.

وأشاد بجهود دول مجلس التعاون الخليجي في تأسيس مراكز ومعاهد متخصصة في تدريب العاملين في المؤسسات المالية الإسلامية، غير أن جميع الجهود المبذولة في هذا المجال لا تكفي لسد النقص المتزايد في عدد العاملين المؤهلين للعمل في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، الأمر الذي يدعو إلى إقامة جامعات ومعاهد وكليات متخصصة في العمل المصرفي الإسلامي والاقتصاد الإسلامي، أو على أقل تقدير إنشاء معاهد خاصة بالبنوك الإسلامية سواء كانت رسمية أو أهلية حتى تلبي الحاجة الماسة إلى نوعية متخصصة في العمل المصرفي الإسلامي الذي أصبح يستحوذ على نحو 50 بالمئة من مدخرات المسلمين حول العالم.

تنسيق الجهود

وأكد ضرورة أن يكون هناك تنسيق بين جميع الأطراف لتقديم حلول إيجابية لتلك المشكلة والعمل على تدريب الكفاءات الجديدة، وأن يتكاتف الجميع من ذوي العلاقة بالمؤسسات المالية الإسلامية كالمعاهد المصرفية والبنوك المركزية ومؤسسات البنية التحتية ومؤسسات القطاع الخاص التعليمية والتدريبية والجامعات والمعاهد الحكومية والمؤسسات المالية الإسلامية نفسها، لافتاً إلى أن إعداد الخطة الاستراتيجية العشرية للصناعة المالية الإسلامية التي أعدها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع لـ«البنك الإسلامي للتنمية» تطرقت إلى تحدي الموارد البشرية، وتم تأسيس لجنة دائمة تسمى لجنة تطوير القطاع المالي الإسلامي والتي تقوم كل عام بإعداد دراسة تتناول أحد التحديات التي تواجه الصناعة المالية الإسلامية.

وأشار إلى أن الإحصاءات دللت على أن الأصول الإجمالية للمصارف والشركات الاستثمارية والمالية الإسلامية في دول مجلس التعاون الخليجي تجاوزت مبلغ 234.8 مليار دولار في نهاية العام 2008 مقارنة بـ183.1 مليار دولار في العام 2007 وبزيادة بلغت نسبتها 28.2 بالمئة، وبلغت الأصول الإجمالية مع النوافذ الإسلامية التي تمارسها بعض الشركات والمصارف التقليدية 24.4 مليار دولار، وحققت قطر أكبر نسبة نمو، وارتفع إجمالي الأصول فيها بنسبة 48.8 بالمئة العام 2008، فيما حققت الكويت زيادة معتدلة بلغت 18.4 بالمئة العام 2008، مقارنة بنسبة مذهلة بلغت 43.4 بالمئة العام 2007، ويبلغ إجمالي عدد المصارف والشركات الاستثمارية والمالية الإسلامية في منطقة مجلس التعاون الخليجي 140 مؤسسة، منها 47 مصرفاً إسلامياً يوجد أكثر من نصفها في البحرين، بينما تمثل الكويت 57 بالمئة من الشركات الاستثمارية والمالية في منطقة مجلس التعاون الخليجي، ورغم أن نسبة النمو قد انخفضت مقارنة بالعام 2007، فإن البحرين حققت نسبة نمو مرتفعة بلغت 45.5 بالمئة العام 2008، وشهدت الإمارات تباطؤاً في نسبة نمو أصولها بنسبة 21.5 بالمئة زيادة في العام 2008، فيما حققت السعودية زيادة في نسبة النمو بلغت 35.2 بالمئة.

استقطاب الودائع

وأشار التركستاني إلى أنه مع نجاح تجربة الصيرفة الإسلامية وقدرتها على استقطاب الودائع وتحقيق الأرباح بدأت في استقطاب المؤسسات المالية التقليدية لتقديم خدمات الصيرفة الإسلامية لاقتطاع حصة من هذه السوق المتنامية لتعظيم أرباحها من دون النظر في الأسس الفكرية التي قامت عليها هذه الصناعة، وبدأت في خلق المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في هيكلها بعيداً عن مقاصدها، ومن هنا بدأ الخلل في منتجات الصيرفة الإسلامية، حيث أصبحت العقود مجرد حيل للالتفاف على الربا، وأصبح فقه المخارج هو السائد لدى الهيئات الشرعية، وما كان يطبق استثناء أصبح هو الأصل في معاملات الصيرفة الإسلامية.

ودعا إلى ضرورة عقد المؤتمرات وورش العمل التي تجمع كل مهتم بهذه الصناعة وعدم الاستسلام لمنطق الأرقام بعيداً عن مقاصد الشرع، والدعوة إلى لم شمل المصارف الإسلامية تحت مظلة واحدة وتصحيح الفتوى والرقابة على الجودة الشرعية لمنتجات الصيرفة الإسلامية، مشيراً إلى ضرورة تعاون القائمين على المؤسسات المالية الإسلامية في القيام بواجبهم تجاه الصيرفة الإسلامية بدعم المؤسسات المساندة للصيرفة الإسلامية عن طريق إنشاء أوقاف لهذه المؤسسات لضمان استمرارية عملها وضمان حياتها واستقلال قرارها.

وأكد في هذا الصدد تبني دول الخليج موضوع مؤتمرات الصيرفة الإسلامية التي تعيش في ندرة، معتبراً سياحة المؤتمرات من أهم النشاطات في العالم، حيث تقدر عوائدها في العالم بـ280 مليار دولار، والدور يصب في ذلك على أجهزة السياحة بدول مجلس التعاون الخليجي والتي من أهم مهماتها تشجيع هذا النمط من السياحة، معتبراً هذا النوع من السياحة وسيلة مهمة للتعريف بالتقدم الذي تعيشه منطقة الخليج، خصوصاً في الجانب المالي، ويتيح للمؤسسات المالية وبيوت الخبرة الاستشارية التعرف إلى الفرص الاستثمارية عن كثب، ويعزز الحضور الإعلامي في وسائل الإعلام العالمية، ويتيح لرجال الأعمال والمتخصصين الخليجيين الاستفادة من الخبرات العالمية عبر الاحتكاك بها الناتج عن حضور مثل هذه المؤتمرات، ويتيح لرجال الأعمال وأصحاب الرأي في العالم التعرف إلى عادات وتقاليد البلد بعيداً عن التشويه الإعلامي وتفعيل الأنشطة التجارية المرتبطة بهذا النوع من السياحة، مثل الفنادق ووسائل المواصلات ووكالات الإعلان وغيرها من النشاطات التجارية ذات العلاقة.

وذكر أن مؤتمرات الصيرفة الإسلامية تشتمل على فوائد، منها تعزيز مكانة الدول في صناعة الصيرفة الإسلامية وفق المكانة التي تليق بها، ونقل تجربة الدول التي سبقتنا في مجال الصيرفة الإسلامية إلى دول الخليج عبر استقطاب خبراء صناعة الصيرفة الإسلامية في هذه الدول، واستفادة الاقتصاد الخليجي من الأموال التي كانت تصرفها المؤسسات المالية لرعاية هذه المؤتمرات في الخارج بصرفها في الداخل، إلى جانب استفادة المؤسسات الأكاديمية من هذه المؤتمرات مادياً وعلمياً عبر تنظيمها وتكليف كادرها الأكاديمي ببعض الأبحاث وأوراق العمل لهذه المؤتمرات والندوات، إلى جانب عولمة النموذج المصرفي الإسلامي عبر تبنيه في هذه المؤتمرات وإبراز الخبرات في هذا المجال.

المزيد:

الصيرفة الإسلامية في الخليج تفتقر إلى الكوادر المؤهلة

الليبور يشكك في مصداقية الصيرفة الإسلامية

القطاع المالي الإسلامي يصمد أمام الأزمة

البنوك الإسلامية الرابح الأكبر في 2009

البنوك الإسلامية تبدأ اتفاقاً معيارياً للودائع بنظام الوكالة

أصول الصناديق الإسلامية تحت الإدارة تصل إلى 27 مليار دولار حتى أغسطس

باريس تطمح إلى سوق تمويل إسلامي بـ 144 مليار دولار

دعوة إلى مراجعة علاقة البنوك المركزية بالمصارف الإسلامية

الصيرفة الإسلامية تعاني نقصاً فـي كوادر الرقابة الشـرعية

نقص الخبرات المصرفية الإسلامية يعزز الحاجة إلى تصنيف الجودة الشرعية

للتعليق على التقرير

إن المعلومات الواردة هنا ستبقى سرية ولن تتم مشاركتها مع أي طرف ثالث
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.