السبت, 9 يناير 2010
محمد العواجي- جدة
أكد الدكتور محمد بن إبراهيم التويجري، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية للشؤون الاقتصادية، أن الاتحاد الجمركي الخليجي هو نواة لإقامة السوق العربية المشتركة، وليس محاولة للانسلاخ من العمل الموحد، مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود الكثير من المعوقات التي تحول دون تحقيق الحلم الذي طال انتظاره كثيراً، مشدداً على أن العمل الاقتصادي المشترك هو السبيل لتحقيق الوحدة العربية.
وقال في حوار مع «الرؤية الاقتصادية» إن الخلافات السياسية تسببت في عرقلة هذا العمل لأكثر من ستين عاماً مضت، نافياً وجود خلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي بشأن استضافة السعودية المجلس النقدي الخليجي، ووجود مشروع للبورصة العربية الموحدة في الوقت الحالي، على اعتبار أن أسواق المال العربية تفتقد العمل المؤسسي وتغلب عليها المضاربة.
وقال «لاشك في أن الوصول للعملة الخليجية الموحدة سوف يدعم اقتصادات المنطقة في مواجهة التكتلات الدولية مثل الآسيويين ودول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أن العالم من حولنا أصبح لا يعترف إلا بالتكتلات، كما أن التوجهات العالمية المتسارعة نحو تفعيل نظام السوق واحتدام المنافسة بين دول العالم على زيادة حصتها من التجارة العالمية واجتذاب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات تحتم على دول المجلس تفعيل جهودها وبذل مزيد من العمل بما يحقق التنمية الشاملة».
وحول المجلس النقدي واختيار الرياض مقراً له، أوضح أنه «قد تم الاتفاق بين قادة الدول الخليجية على أن تكون الدولة الأقوى من حيث الموارد الطبيعية والبشرية ومن حيث تعاملاتها التجارية هي دولة المقر، ونعتقد أن كل هذه الشروط تتوفر في السعودية».
وحول الخلاف على استضافة المجلس النقدي، قال «لا ننكر أن جميع الدول الخليجية ترحب باستضافة المجلس على أراضيها، وهذا لا يعني خلافاً، لكنه يعكس حرصاً على التكامل الخليجي، وقد حسمت دول مجلس التعاون الأمر، واستقرت على أن يكون المقر بالرياض، وعلى أي حال فإن المعيار في هذا الشأن يتوقف على الحجم الاقتصادي للدولة المضيفة، والمهم في الوقت الحاضر هو الإسراع في اتخاذ الخطوات الجدية للوصول إلى العملة النقدية الموحدة لتكون خطوة حقيقية لتحقيق الاتحاد الجمركي الخليجي، مع الأخذ في الاعتبار أن استضافة مقر البنك المركزي الخليجي ليس بأسبقية الحجز بل يتوقف على الشروط المتوفرة في الدولة المضيفة، وهو النهج الذي اتخذته دول الاتحاد الأوروبي حتى وصلت إلى العملة الموحدة».
من أقوى العملات
وعن توقعاته لتحقيق حلم الوحدة النقدية الخليجية الذي طال انتظاره كثيراً، أوضح قائلاً «طالبنا كثيراً بالإسراع في إنشاء مجلس النقد الخليجي (البنك المركزي)، ومما لاشك فيه أن وجود مثل هذا البنك يساعد وتيرة الاندماج النقدي بين دول المجلس، كما أنه يعمل على زيادة معدلات التجارة البينية بين دول المنطقة.
وفي نهاية المطاف فإنه سيحقق حلم الوحدة النقدية في مواجهة تكتلات دول العالم، ناهيك عن الدور الذي يمكن أن تؤديه العملة الموحدة في تسعير البترول والغاز بعملة أخرى غير الدولار الأمريكي، ما يعطي الدول الخليجية قوة اقتصادية في مواجهة التكتلات الأخرى.
ومن المتوقع أن تصبح العملة الخليجية الموحدة من أقوى العملات في مواجهة الدولار الأمريكي والإسترليني والين الياباني واليورو الأوروبي، وعندما يقوم الاتحاد النقدي الخليجي سيكون دافعاً لجميع الدول العربية للانضمام للاتحاد الجمركي وإقامة منطقة التجارة الحرة».
حلم السوق
وبسؤاله عما إذا كان بإمكان بقية الدول العربية الانضمام للاتحاد الجمركي الخليجي، قال «بالفعل هناك عدة دول مرشحة للانضمام إلى هذا الاتحاد مثل مصر والأردن ولبنان التي تقترب التعريفة الجمركية بها من نظيراتها في معظم الدول الخليجية، وهذا الأمر من شأنه أن يدعم العملة الخليجية الموحدة، ويدفعها لأن تكون نقطة الانطلاق لتحقيق حلم السوق العربية المشتركة، مع العلم بأن ارتفاع التعريفة الجمركية بين الدول بعضها بعضاً يعد من أهم العوائق التي تحول دون إقامة منطقة التجارة العربية الكبرى، كما أن غياب قواعد المنشأ التفصيلية للسلع العربية يعد سبباً أساسياً في طلب عدد من الدول الاستثناءات، تجنباً لمنافسة السلع غير العربية وتمتعها بما تتيحه المنطقة من امتيازات للسلع العربية».
التجارة الحرة غير مهددة
وعن أهم العوائق التي تعرقل مسيرة الوصول إلى منطقة التجارة العربية الحرة، قال «رغم تحسن وتيرة العمل تجاه منطقة التجارة الحرة العربية، فإن هناك بعض المعوقات لاتزال عالقة، منها على سبيل المثال لا الحصر غياب الشفافية وتقاعس بعض الدول عن تزويد الأمانة الفنية بالقوانين والتشريعات والسياسات التجارية والاقتصادية التي تقوم بسنها، إضافة إلى أن غالبية الدول لا تقدم التقارير الدورية المطلوبة لمتابعة التنفيذ».
ونفى أن يكون إعلان منطقة التجارة العربية الكبرى مؤجلاً لأجل غير مسمى، موضحاً أن «التجانس الاقتصادي موجود، فضلاً عن وجود الرغبة الحقيقية في التعاون والتكامل بين الأقطار العربية، وهذه الرغبة ظهرت جلية في وثيقة العهد والوفاق والتضامن المنبثقة عن قرار قمة تونس العام 2004، تلك الوثيقة التي تطرقت في شقها الاقتصادي إلى عدد من المحاور الرئيسة لتطوير العمل الاقتصادي العربي المشترك وتفعيل آلياته التي يمكن حصرها في تطوير مؤسسات وأجهزة العمل الاقتصادي العربي المشترك وبرامج وخطط عملها، ويأتي ذلك كما تضمنته الوثيقة لضمان أداء دورها وفقاً لمتطلبات واحتياجات الدول العربية واستكمال إنجاز منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وإقامة اتحاد جمركي عربي بما يسهم في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي».
وحول رؤية البعض أن اتجاه الدول الخليجية لإقامة اتحاد جمركي والوصول إلى عملة نقدية موحدة محاولة من شأنها الفكاك من تحقيق حلم السوق العربية المشتركة، قال إن هذا الكلام يروج له بعض أصحاب النظرات التشاؤمية، لأن الاتحاد الجمركي الخليجي هو نواة للسوق العربية المشتركة، كما أنه يعتبر القاطرة التي تجر خلفها الاقتصاد العربي، خصوصاً أن منطقة الخليج هي القوة الاقتصادية الضاربة في الوقت الجاري، كما أن الاتحاد الخليجي هو في تكتل عربي أولاً وأخيراً يمكن أن تنضم إليه بقية الدول، وقد أثبتت تجربة السنوات الماضية فشل النظرية التي كانت تنادي بإقامة عدة تكتلات بين الدول التي يربطها تقسيم جغرافي واقتصادي متقارب، ليتم تجميعها في كيان واحد فيما بعد، لتكون نقطة الانطلاق للسوق العربية المشتركة، وقد تمخضت هذه النظرية عن وجود تكتلين، دول المغرب العربي، ودول مجلس التعاون الخليجي، وكلاهما معطل في الوقت الجاري، والمنطق يقول علينا أن ننظر للتكتل الذي يحرز تقدماً، وتنضم إليه بقية الدول وليس العكس، وبالنظر لدول مجلس التعاون الخليجي نجد أنها أسهمت بدور كبير في دفع النمو الاقتصادي العربي بفضل ما توافر لها من إمكانات اقتصادية مكنتها من تحقيق معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات الماضية، كما أسهمت دول المجلس في تعزيز التجارة العربية البينية، وأصبحت تشكل أكثر من 70 بالمئة من حجم هذه التجارة، وتمكنت دول المجلس من إنشاء منطقة تجارة حرة وإقامة اتحاد جمركي، وهو ما يعد نواة حقيقية لإقامة السوق العربية المشتركة.
ودعا التويجري إلى أن ننحي السياسة جانباً، «فقد جربنا 60 عاماً من الخلافات السياسية، ولم نحرز تقدماً، بل تأخرنا كثيراً عن بقية التكتلات الأخرى، وأعتقد أن التكامل الاقتصادي يأتي أولاً ليقود التكامل، ويحرك الاقتصاد العربي، ولذلك فإننا ندعم هذا التوجه».
وأكد أن «منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي ينطلق منها الاتحاد الجمركي تواجه الكثير
من المعوقات، وفي مقدمتها القيود غير الجمركية والعراقيل الإدارية والفنية التي تفرضها بعض الدول، بدعوى حماية أسواقها من السلع والواردات التي تأتيها من بعض الدول العربية، وقد حاولنا مراراً التغلب على هذه المعوقات إلا أن هذه المحاولات لم تسفر عن تقدم ملموس، وفي نهاية الأمر اتفقنا على تشكيل لجنة للنظر في النقاط الخلافية بين بعض الدول العربية.
وقد انبثق عن هذه اللجنة فريقان، الأول تقوده السعودية والثاني تقوده المغرب لدراسة كيفية الإسراع في استكمال منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وللأسف لم نصل حتى الآن إلى نتيجة، وفي آخر اجتماع ظهر نوع من التوافق على بعض النقاط الأساسية، ومن المتوقع أن تسفر الاجتماعات التي ستعقد خلال هذا العام عن تحقيق نسبة كبيرة جداً من النجاحات على طريق منطقة التجارة العربية الحرة وصولاً إلى الاتحاد الجمركي».
ورأى التويجري أن «تفعيل العمل بمنطقة التجارة العربية الحرة الكبرى كفيل بزيادة حجم التبادل التجاري بين الدول العربية، شريطة أن يتم الالتزام بما اتفق عليه وأن تقلل قائمة الاستثناءات وتقلص القوائم السلبية، كما ينبغي عدم التشدد في تعريف المنتج الوطني ومكوناته، وفي الوقت ذاته يجب ألا يكتفى بالجانب السلعي لهذه الاتفاقية بل يتعداها إلى الجانب الخدمي.إن دول مجلس التعاون لعلى استعداد لتقديم خبرتها في هذا المجال لجامعة الدول العربية، للاستفادة منها في تذليل العقبات التي قد تواجه تطبيق منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى، حيث إن دول مجلس التعاون أصبحت منطقة جمركية واحدة، إثر انتقالها إلى تطبيق الاتحاد الجمركي بعد عشرين عاماً من تطبيق منطقة التجارة الخليجية الحرة».
وعن مشروع النقل العربي الموحد، أوضح أنه «يسير بخطا ثابتة، علماً بأننا ما زلنا في مرحلة استكمال الرسوم الهندسية، وما يترتب على ذلك من تشييد البنية التحتية اللازمة، وعلنا أن نتفهم أن الربط السككي يقصد منه أن تقوم كل دولة بالانتهاء من شبكة الطرق الخاصة بها، وإذا تطلب الأمر أن يكون هناك ربط سككي مع مجموعة من الدول المجاورة لها، فعليها أن تبرم اتفاقاً بينها وبين هذه الدولة لاستكمال هذه المشروعات، علماً بأنه لا يوجد مشروع ربط قومي بين الدول العربية، بمعنى أن السعودية تقوم باستكمال شبكة الربط الداخلي فيها، وإذا رأت أن هناك حاجة ماسة للربط مع بقية الدول الخليجية فعليها أن تدرس هذا الأمر معها».
وعن مشروع البورصة العربية الموحدة، قال إن «هذا المشروع لن يتحقق إلا بعد الوصول للعملة العربية الموحدة، لأن هناك مشكلة في نقل الأموال بين الدول العربية، ولن نكون متشائمين إذا قلنا إن هذه الخطوة مازال أمامها كثير من الوقت والجهد، خصوصاً أن العمل في أسواق المال العربية يسير بشكل غير مؤسسي ويغلب عليه طابع المضاربات، وليس الاستثمار والادخار للمستقبل».
للتعليق على التقرير